ابن الأثير
319
الكامل في التاريخ
فإن فعلت ، وإلّا فسر بنا إلى الأهواز لنطرد البريديّ عنها وإن كان أكثر منّا ، فأنت أمير وهو كاتب . فقال : لا تقل في أبي عبد اللَّه هذا ، فلو كان لي أخ ما زاد على محبّته . ثم إنّ ياقوتا [ 1 ] ظهر منه ما يدلّ على ضعفه وعجزه عن البريديّ ، فضعفت نفوس أصحابه ، وصار كلّ ليلة يمضي منهم طائفة إلى البريديّ ، فإذا قيل ذلك لياقوت يقول : إلى كاتبي يمضون ، فلم يزل كذلك حتّى بقي في ثمانمائة رجل . ثم إنّ الراضي قبض على المظفّر بن ياقوت في جمادى الأولى ، وسجنه أسبوعا ثم أطلقه وسيّره إلى أبيه ، فلمّا اجتمع به بتستر أشار عليه بالمسير إلى بغداذ ، فإن دخلها فقد حصل له ما يريد ، وإلّا سار إلى الموصل وديار ربيعة فاستولى عليها ، فلم يسمع منه ، ففارقه ولده إلى البريديّ ، فأكرمه وجعل موكّلين يحفظونه . ثم إنّ البريديّ خاف من عنده من أصحاب ياقوت أن يعاودوا الميل والعصبية له ، وينادوا بشعاره ، فيهلك ، فأرسل إلى ياقوت يقول له : إن كتاب الخليفة ورد عليّ يأمرني أن لا أتركك تقيم بهذه البلاد ، وما يمكنني مخالفة السلطان ، وقد أمرني أن أخيّرك إمّا أن تمضي إلى حضرته في خمسة عشر غلاما ، وإمّا إلى بلاد الجبل ليولّيك بعض الأعمال ، فإن خرجت طائعا ، وإلّا أخرجتك قهرا . فلمّا وصلت الرسالة إلى ياقوت تحيّر في أمره ، واستشار مؤنسا غلامه ، فقال له : قد نهيتك عن البريديّ وما سمعت ، وما بقي للرأي وجه ، فكتب ياقوت يستمهله شهرا ليتأهّب ، وعلم حينئذ خبث البريديّ حيث لا ينفعه علمه .
--> [ 1 ] ياقوت .